Norwegian version of this page

مجموعة أغطية الزفاف لعشيرة المِعدان

كان المِعدان يعيشون في منطقة الأهوار الواقعة جنوبيّ العراق، عند ملتقى نهري دجلة والفرات. ويُعرفون بأغطية الزفاف المطرَّزة بإتقان وبزخارف غنيّة، والتي تُسمّى بالعربيّة "الإزار".

 

تضمّ المجموعة الإثنوغرافيّة لمتحف التّاريخ الثقافيّ إحدى وعشرين غطاءَ زفافٍ مطرّزًا من عشيرة المِعدان في جنوبيّ العراق. تمّ اختيار هذه الأغطية بالإعتماد على جودة النّسيج وحالته، إضافةً إلى تنوّع الألوان والزّخارف في كلٍّ منها.

اقتنى المتحف هذه الأغطية من السّيد رضا مكتبـي في مدينة فريدريكستاد، النرويج، عام 2014. وكان مكتبـي قد اشترى مجموعته الواسعة هذه من تجّار سجادٍ عراقيين في ستينيات القرن العشرين، حين كان يعمل تاجرَ سجادٍ في بيروت، لبنان.

 

Blankets

أغطية الزفاف

في الأصل، كانت الفتيات غير المتزوّجات هنّ من يقمن بتطريز هذه الأغطية يدويًّا لإدراجها ضمن صناديق جهاز العروس، ويُرجَّح أن هذا هو السبب الرئيس وراء تسميتها بـ "أغطية الزفاف". وفي بعض الحالات، تصنع الأمهات مثل هذه الأغطية المطرّزة لأبنائهن للتحضير لزواجهم. كان المِعدان يشترون الأقمشة من البدو الذين كانوا يمرّون بقراهم، ثم تتولّى الفتيات غير المتزوّجات في المجتمع تطريزها يدويًّا. وقد تنوّعت الأغطية المطرّزة في كثافة الزخارف والأنماط، فبعضها جاء بتطريز خفيف، بينما اتّسم بعضها الآخر بتطريز أكثر تعقيدًا وغنى. وكلّما كان التطريز أكثر كثافة وإتقانًا، ازدادت قيمة الغطاء؛ إذ اعتُبرت الأغطية الثقيلة المطرّزة الأكثر فخامة وثمَنًا من بين أغطية الزفاف. وكانت الفتيات اللواتي تميّزن بمهارةٍ عاليةٍ في التطريز يحظين بتقديرٍ واحترامٍ كبيرَين داخل مجتمع المِعدان، نظرًا لما عُرف عنهن من دقّةٍ وإبداعٍ في الحرفة.

تقنيات النسيج والتطريز

صُنعت أغطية الزفاف من نسيجٍ صوفيٍّ بلونٍ بنّي مائلٍ إلى الحُمرة، باستخدام تقنية النسج المائل (التويل)، وكانت النساء يطرّزن فوقه تصاميمهنّ المتنوّعة. استخدمت النساء في ذلك أسلوب التطريز بالغرز المتسلسلة و المنفّذة من خلال خطّاف الكروشيه. تتميّز معظم الأغطية في المجموعة الإثنوغرافية للمتحف بتطريزٍ متقنٍ وكثيفٍ إلى حدٍّ يختفي معه القماش الأساسي تمامًا تحت الألوان الزاهية للتطريز. ومع ذلك، توجد بعض الاستثناءات التي يقلّ فيها التطريز عمدًا، بحيث تُستخدم خلفية النسيج نفسها كعنصرٍ بصريٍّ داخل التكوين الزخرفي، فيُصبح القماش جزءًا من التعبير الفني العام. كان عرض الأغطية يتحدّد وفقًا لحجم النول المستخدم في نسجها، مما يعني أن الغطاء الكامل كان يُصنع من قطعتين ضيّقتين من القماش متساويتَي المقاس. كانت النساء يطرّزن كلّ قطعةٍ على حدة، ثم يخطن القطعتين معًا عند الأطراف لتشكيل غطاءٍ واحدٍ كبير، ويُخفين مواضع الخياطة بالتطريز. وكما ذُكر سابقًا، كانت الأعراف المحليّة تقتضي أن تقوم النساء وحدهنّ بعمليّة التطريز على الأغطية، بينما كان الرجال والنساء معًا يشاركون في غزل الصوف يدويًّا. ويعكس هذا الاختلاف في العمل والمهارات جزءًا من نظامٍ أوسع لتقسيم العمل بين الرجال والنساء الذي كان متّبعًا في مجتمع المِعدان.

UEM49192
(UEM49192) Double bordered on the vertical sides of the two panels. Characteristic multi coloured diagonal lines pattern on the inner and outer edges of both panels. Each panel is divided into three sections. Outer sections of each panel: two diamonds surrounded by flowers, animals and human figures. Central section of each panel: a possible architectural element with birds animals and human figures. Photo: Mårten Teigen

الزخارف

تحتوي جميع الأغطية بوجود إطارٍ مطرَّزٍ على أطرافها الأربعة، مقسّمٍ إلى مربّعات أو ألواح كبيرة. وتُظهر الزخارف المطرّزة على الأغطية أشكالًا متنوّعة من الحيوانات، مثل الجِمال والكلاب والخيول، بالإضافة إلى الأسماك والطيور والحشرات. كما تَظهر في بعض الأغطية هيئاتٌ بشرية تمثّل الرجال والنساء معًا. ومن الزخارف المتكرّرة في عددٍ من الأغطية الأشكالُ الماسيّة والزهور. وزيّنت بعض الأغطية برسمِ بيتٍ (المضيف) أو مسجد. كما يبدو أن التصميم والتطريز يعكسان رؤيةً تجريديةً للعناصر البيئية المحيطة بعشيرة المِعدان. ومن المرجّح أن تنوّعَ التكوينات الزخرفية في الأغطية المختلفة يعكس تفضيلات الفنانات المبدعات، وتفسيرَ كلٍّ منهنّ لهذه الزخارف وفق رؤيتها الشخصية وإلهامها وذوقها الجمالي. تصوير: لارا جيمسون.

Image may contain: Sky, Building, Plant, Window, Door.
Photo: Lara Jameson

شعب المِعدان في جنوبيّ العراق

كان شعب المِعدان في بداياته يعيش على منصّاتٍ أو جُزُرٍ تقع مباشرةً فوق مياه الأهوار في جنوبيّ العراق، بين نهري دجلة والفرات، في المنطقة التي كانت تُعرف قديمًا ببلاد بابل. وحتى أواخر ستينيات القرن العشرين، عاش المِعدان إلى حدٍّ كبيرٍ بمعزلٍ عن بقيّة مناطق العراق. وكان تواصلهم مع العالم الخارجي يتمّ أساسًا عبر البدو الرحّل الذين كانوا يقيمون على أطراف الأهوار في فصلي الخريف وجزءٍ من الشتاء، وكذلك عبر الأكراد المقيمين في القرى المجاورة، والذين كانوا يوفّرون للمِعدان الأقمشة المستخدمة في صناعة أغطية الزفاف. وفي فترة لاحقة، أصبح بإمكان المِعدان شراء الأقمشة المنسوجة يدويًّا والتي استخدموها في صناعة الأغطية المطرّزة من البدو والأكراد المقيمين في بلدات الأسواق القريبة. وفي الثمانينيات، بدأت أغطية الزفاف المطرّزة تُتداول أيضًا في الأسواق المحليّة كسلعةٍ تجارية.

تدخّلات الدّولة وتحويل النّظام البيئي في الأهوار وتحول الظروف المعيشيّة للمِعدان

خلال أواخر ثمانينيات القرن العشرين، وافقت الحكومة العراقيّة، بقيادة صدّام حسين آنذاك، على تنفيذ خططٍ تنموية أدّت في النهاية إلى تجفيف الأهوار. وقد استند التبرير الرسمي لهذا الإجراء إلى عاملين أساسيين: أوّلهما اعتبار الأهوار موئلًا لتكاثر البعوض، وثانيهما تحويل الأراضي التي عُدّت عديمة القيمة الاقتصادية الظاهرة إلى أراضٍ زراعيّة. لكن من الناحية السياسية، يُعتقد أنّ الهدف الرئيس من عملية التجفيف كان إجبار عرب الأهوار، ومن بينهم عشيرة المِعدان، على مغادرة المنطقة. أدّى هذا التجفيف إلى تحوّل الأهوار من نظامٍ بيئيٍّ مائيٍّ غنيٍّ إلى صحراء قاحلة، وتسبّب في تهجير ما يقارب مئتي ألف من أبناء المِعدان الذين كانت سُبل عيشهم تعتمد اعتمادًا كاملًا على موارد الأهوار. اضطرّ المهاجرون إلى الانتقال إلى المناطق المحيطة بالأهوار المجفّفة، وإلى مدنٍ ومخيّماتٍ في مناطق أخرى من العراق، حيث تخلّوا عن نمط حياتهم التقليدي واتّجهوا إلى مهنٍ أخرى، منها الزراعة التقليدية. وفي عام 2003، أُزيلت السدود الترابية وعاد تدفّق المياه إلى المنطقة، إلا أنّ الدمار الكامل الذي لحق بالنظام البيئي، إلى جانب تكوّن أنماطٍ جديدةٍ من المعيشة، جعل من غير المرجّح أن يتمكّن المِعدان من استعادة أسلوب حياتهم السابق في موطنهم الذي كانوا يعدّونه أرضهم الأصلية.

map Iraq
By Kjersti Larsen, Meriem Boulaziz
Published Nov. 21, 2025 10:53 AM - Last modified Dec. 10, 2025 2:29 PM